تشهد مدينة (أصيلة) المغربية تجربة فنية فريدة توحد خلالها الفنان والمشاهد والبيئة لتقدم العناصر الثلاثة لوحات فنية جميلة علي جدران البلدة.
بدأت الحكاية عندما وضع المجلس البلدي في أصيلة برنامجاً لنظافة البلدة وتجميلها وتلقف الفكرة عدد من المثقفين المغاربة وحولوا البرنامج إلي عمل خلاق بعيداً عن الأطر والأساليب يستهدف مرمي أبعد. وهو التأثير علي الانسان والبيئة وزرع القيم الفنية في انسان أصيلة لتثار لديه الرغبة في المشاركة في العمل وخلق احساس بالانتماء له والحفاظ عليه والسعي في الوقت نفسه لاستخراج الجانب الجمالي المتراكم في البلدة علي مرّ التاريخ.. التي تبعد 42 كيلومتراً عن طنجة وتمتد في التاريخ إلي 3600 سنة وكانت احد الثغور العربية في مواجهة الزحف الاوروبي.. فكانت مقرونة بالفضول والدهشة بالمسرح المكاني الذي ربط الثقافة بالفن التشكيلي وتقديم هذا النموذج للمواطن العادي الذي اغرم بالفن عبر نشاط السكان الذي تمثل في صباغة الجدران والرسم عفوياً داخل البيوت وواجهات المنازل مما أثر بشكل متناسق ومنسجم وذواق مع زرقة مياه المحيط وفوقها السماء الصافية، فغدا المكان من أجمل بقاع افريقيا مع عمق الدلالة لبساطة البيئة وجمالها وعراقة الصرح الحضاري العربي في رمزية استمرارية مقومات التراث واصالته...
وعبر هذا الكشف التشريحي والتشكيلي كانت تجربة الفنان فريد بلكاهية، والذي من خلاله يمكننا التحدث عن الفن التشكيلي المعاصر في المغرب، فهو القادم من عمق ذاكرة بلاده الشعبية ومخزونها التراثي بوشمة ارقامه السحرية ورموزه التراثية في مشهدية جمالية ترسخ هوية هذا الفنان التشكيلي المغربي الذي يعد أحد ابرز الفنانين العرب المعاصرين، فمعه نتعرف علي خصوصية هذه الحركة التعبيرية وعلي بحثها الجاد عن جمالية عربية متنوعة في حساسيتها ومشكلة الهوية المطروحة علي حركات ونتاجات الفنون التشكيلية العربية عندما تنقسم بأبعاد خاصة وتتحدد علي تربتها الحضارية وبتعبيرها أيضاً عن المصادر التراثية المختلفة المكونة للثقافة العربية في تجدد تقاليد الناس اليومية في حياة المجتمع الطقوسية والاحتفالية الاجتماعية مع قدرة التواصل الابداعي بين هذا المنتج وعن الرائي الذي تمكنه فاعلية الطرح من المواد المحلية، خشب جلود وحناء وهذا المحسوس الذي يقودني جهة الغامض، كما قالها ذات مرة الفنان معبراً عن تجربته الفنية المعروفة بارتباطها الوثيق ببيئته المحلية في الثقافة المغربية وبانفتاحها علي التيارات الفنية الحديثة منذ مطلع 1980 حتي يومنا هذا وهو الذي ولد في مراكش عام 1934 ودرس في معهد الفنون الجميلة في باريس كما تابع دروسه الفنية في براغ وميلانو، وعمل لاحقاً مديراً لـ(معهد الفنون الجميلة) في الدار البيضاء 1974 وهو الذي عرض أعماله في معارض فردية وجماعية في العديد من العواصم العربية والعالمية.
وبفضل هذا الفنان الذي يجود علينا بابداعاته لترتوي مع غنائه الفني بالثقة والاعتزاز ومشاعر الأهمية العمل الفني عندما أخذ الفنان علي عاتقه تمجيد الأرض والانسان وقمة معني التحدي علي علاقاته الجدلية في لغة الفن المعاصر.




