![]() |
|
|||||||
| الملاحظات |
التسجيل السريع مُتاح |
|||||
|
مرحباً بك في منتديات محتاج , يمكنك زيارة كافة الأقسام في المنتدى وقرائة جميع
المواضيع وتحميل المرفقات بدون تسجيل , لا يتطلب منك التسجيل إلا عند رغبتك في
مشاركة الأعضاء بمواضيعهم والرد عليهم ولمعرفة
المزيد من المعلومات حول نظام المنتدى وطبيعة عمله وقوانينه أضغط هنا |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
{[ سبحانـ الله وبحمدهـ عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ]} 6
|
||||
|
||||
|
عمرو بن كعب وعقيلة
هذه صورة أيضاً كانت فيها مأساة عمرو بن كعب بن النعمان الملك وابنة عمه عقيلة. نشأ عمرو معها في بيت أبيها بعد وفاة أبيه، وربط الحب بين القلبين الصغيرين، حتى إذا ما كبرا تقدم إلى أبيها يطلب عونه لما كان بين أسرتيهما من صلة. ثم يبلغه أن عمه زوج عقيلة لأحد من بني فزارة، فكانت صدمة له لم تقوى على احتمالها أعصابه فانهار، وانطلق إلى الصحراء ذاهلا عن كل شيء هائما على وجهه في إقليم اليمامة، وقد شد بصره إلى السماء، حتى أدركته منيته في تيه لم يعرف مكانه فيه. وفى بيت الفزارة تعيش عقيلة كما يذكر الرواة عذراء، وتنهار أعصاب زوجها، فيخرج هو أيضا إلى الصحراء هائما على وجهه فلا يدري أين مذهبه. وتعود عقيلة إلى بيت أبيها تندب حظها، وتبكي مأساتها، وتدب الأدواء والأسقام في جسدها حتى تذويه وتضنيه، ثم يضمها الموت إليه لتلحق بحبيبها. هذا ما وصل من أحداث هذه القصة |
|
{[ سبحانـ الله وبحمدهـ عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ]} 7
|
||||
|
||||
|
عبد الله بن العجلان وهند
وعلى نحو من نفس الصورة السابقة تقريبا كانت مأساة عبد الله بن العجلان وهند، وكلاهما من نهد من قضاعة. وهي أقرب مأساة جاهلية إلى مأساة قيس بن ذريح ولبنى، وأشدها شبهأ بها. رأى عبد الله هندا على بعض المياه فأحبها، ثم مضى إلى أبيها فخطبها، وتحقق له أمله فتزوجها وعاش معها بضع سنين كأسعد ما يكون ، حبيبان ربط بينهما رباط الزوجية المقدس. ولكن القدر أبى عليهما السعادة التي ينعمان بها، فقد كانت هند عاقرا، وكان عبد الله وحيد أبويه، وكان أبوه سيدا من سادات قومه المعدودين، ومن أكثرهم مالاً وأوسعهم ثراء، فطلب إليه أن يطلقها ويتزوج غيرها عسى أن ينجب منها من يحفظ على الأسرة مالها وكيانها. وأبى عبد الله، وتحرجت الأمور بينه وبين أبيه الذي أقسم أن لا يكلمه حتى يطلقها وتمسك عبد الله بزوجه الحبيبة، ولكن أباه جمع عليه أعمامه وأبناء أعمامه، وما زالوا به حتى ضعف أمامهم فانفصل عنها. وما إن نفذ السهم حتى أسف عليها، وندم على فراقها، واشتد حزنه وجزعه من أجلها. ثم تزوجت هند في بني شخص اسمه نميـر، فضاقت السبل في وجه عبد الله، وانهارت أعصابه، واصطلحت على جسده العلل والأدواء. وعرض عليه أهله فتيات الحي لعل إحداهن تعجبه فتنسيه صاحبته الأولى، ولكنه رفض الزواج. وقضى عبد الله بعد ذلك حياته يبكي حبه القديم، وفردوسه المفقود، وسعادته الضائعة، حتى مات حزنا عليها، وأسفا على أمل كان بين يديه ثم فرط فيه فضاع منه إلى الأبد. |
|
{[ سبحانـ الله وبحمدهـ عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ]} 8
|
||||
|
||||
|
عنترة وعبلة
أشهر قصص "المتيمين" الجاهليين هي هذه القصة. هي قصة تستمد شهرتها من ناحيتين : من شهرة صاحبها الفارس الشاعر البطل، ثم من القصة الشعبية التي دارت حولها. وعلى الرغم من شهرة هذه القصة، وعلى الرغم من ضخامة القصة الشعبية التي دارت حولها وكثرة التفاصيل والحواشي بها، فإن المصادر القديمة لا تمدنا بكثير من تفاصيلها، ولكنها في إطارها العام قصة ثابتة لا شك فيها بدلالة شعر عنترة الذي يفيض بأحاديث حبه وحرمانه. نشأ عنترة العبسي من أب عربي هو عمرو بن شداد، وكان سيدا من سادات قبيلته، وأم أجنبية هي زبيبة الأمة السوداء الحبشية، وكان أبوه قد سباها في بعض غزواته. وسرى السواد إلى عنترة من أمه، ورفض أبوه الاعتراف به، فاتخذ مكانه بين طبقة العبيد في القبيلة، خضوعا لتقاليد المجتمع الجاهلي التي تقضي بإقصاء أولاد الإماء عن سلسلة النسب الذهبية التي كان العرب يحرصون على أن يظل لها نقاؤها، وعلى أن يكون جميع أفرادها ممن يجمعون الشرف من كلا طرفيه : الآباء والأمهات، إلا إذا أبدى أحد هؤلاء الهجناء امتيازا أو نجابة فإن المجتمع الجاهلي لم يكن يرى في هذه الحالة ما يمنع من إلحاقه بأبيه. وحانت الفرصة لعنترة في إحدى الغارات على عبس، فأبدى شجاعة فائقة في رد المغيرين، وانتزع بهذا اعتراف أبيه به، واتخذ مكانه فارساً من فرسان عبس الذين يشار إليهم بالبنان. ووقف طفل الحب الخالد يلقى سهامه النافذة ليجمع بين قلب عنترة وقلب ابنة عمه عبلة بنت مالك. وتقدم عنترة إلى عمه يخطب إليه ابنته، ولكن اللون والنسب وقفا مرة أخرى في طريقه، فقد رفض مالك أن يزوج ابنته من رجل يجري في عروقه دم غير عربي، وأبت كبرياؤه أن يرضى بعبد أسود مهما تكن شجاعته وفروسيته زوجاً لابنته العربية الحرة النقية الدم الخالصة النسب. ويقال إنه طلب منه تعجيزاً له وسدا للسبل في وجهه ألف ناقة من نوق الملك النعمان المعروفة بالعصافير مهراً لابنته، ويقال إن عنترة خرج في طلب عصافير النعمان حتى يظفر بعبلة، وأنه لقي في سبيلها أهوالا جساما، ووقع في الأسر، وأبدى في سبيل الخلاص منه بطولات خارقة، ثم تحقق له في النهاية حلمه، وعاد إلى قبيلته ومعه مهر عبلة ألفاً من عصافير الملك النعمان. ولكن عمه عاد يماطله ويكلفه من أمره شططا، ثم فكر في أن يتخلص منه، فعرض ابنته على فرسان القبائل على أن يكون المهر رأس عنترة. ثم تكون النهاية التي أغفلتها المصادر القديمة وتركت الباحثين عنها يختلفون حولها، فمنهم من يرى أن عنترة فاز بعبلة وتزوجها، ومنهم من يرى أنه لم يتزوجها، وإنما ظفر بها فارس آخر من فرسان العرب. وفي أغلب الظن أن عنترة لم يتزوج عبلة، ولكنه قضى حياته راهبا متبتلا في محراب حبها، يغني لها ويتغنى بها، ويمزج بين بطولته وحبه مزاجا رائعاً جميلاً. وهو يصرح في بعض شعره بأنها تزوجت، وأن زوجها فارس عربي ضخم أبيض اللون، يقول لها في إحدى قصائده الموثوق بها التي يرويها الأصمعي : إما تريني قد نحلت ومن يكن ** غرضاً لأطراف الأٍنة ينحل فلرب أبلج مثل بعلك بادن ** ضخم على ظهر الجواد مهبل غادرته متعفرا أوصاله ** والقوم بين مجرح ومجدل لقد تزوجت عبلة من غير عنترة بعد ذلك الكفاح الطويل الذي قام به من أجلها، وأبى القدر أن يحقق للعاشقين حلمهما الذي طالما عاشا فيه. وعاش عنترة بعد ذلك عمراً طويلا يتذكر حبه القديم، ويحن إلى أيامه الخالية، ويشكو حرمانه الذي فرضته عليه أوضاع الحياة وتقاليد المجتمع، وقد طوى قلبه على أحزانه ويأسه، وألقى الرماد على الجمرة المتقدة بين جوانحه، وهو رماد كانت ذكريات الماضي تلح عليه من حين إلى حين، فتكشف عن الجمرة التي لم تنطفئ جذوتها من تحته، حتى ودع الحياة. وأسدل الموت الستار على قصة حبه . |
|
{[ سبحانـ الله وبحمدهـ عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ]} 9
|
||||
|
||||
|
ولادة وابن زيدون
ابن زيدون هو أشهر صوت شعري انطلق في ربوع الأندلس، مغردًا، مردّدًا أحلى القصائد والمقطوعات، شاعرًا ووزيرًا وعاشقًا مستلهمًا، وسجينًا وهاربًا ومطاردًا، وساعيًا من بلدة إلى بلدة ومن حاكم إلى حاكم. وأتيح لشعره من الذيوع ما لم يتح لغيره من شعراء الأندلس. وهو الملقب بذو الوزارتين. وهو الكاتب الشاعر الرقيق عاشق ولاّدة بنت المستكفي. حتى لقد شبهه الكثيرون ببحتريّ الشرق لرقة تعبيره وروعة أساليبه وانطلاق خياله وأصالة فنه وقدرته على التحليق الشعري. ولد ابن زيدون في قرطبة قرب ختام القرن الرابع الهجري سنة ثلاثمائة وأربع وتسعين وبها تثقف وأتقن فنَّ الأدب : شعره ونثره. ثم اتصل بابن جمهور وصار وزيره وكاتبه الأول حتى كان حبه لولادة ومزاحمة ابن عبدوس له في حبها، ومكيدته له عند ابن جمهور التي انتهت بسجنه. ومن السجن كان ابن زيدون يرسل أنات مستعطفة وقصائد مليئة بالشكوى والمرارة والرجاء، فلا يلتفت إليه أحد. ونجح ابن زيدون في الفرار من السجن ومغادرة قرطبة، ثم عاد إليها بعد أن تُوفي أبو الحزم بن جمهور وتولى الحكم ابنه الوليد، الذي أعاده إلى سابق مكانته ومنزلته وجعله سفيرا بينه وبين ملوك الطوائف. لكن الحسد والحقد والدسائس تلاحق ابن زيدون من جديد، فانقلب عليه الوليد، واضطر إلى الفرار من قرطبة ثانية، وظل متنقلا في الأندلس، حتى لقي تيسر له الامر لدى المعتضد حاكم إشبيلية. وبموت المعتضد، أصبح ابن زيدون وزير ابنه المعتمد الذي كان شاعراً، فعلي مقام ابن زيدون، وتألق نجمه، ولمعت مواهبه وزكت شاعريته، ودارت بين الأمير ووزيره مطارحات شعرية كثيرة. ثم تم للمعتمد الاستيلاء على قرطبة موطن ابن زيدون وانتقل إليها وجعلها عاصمة ملكه. وثارت في إشبيلية فتنة طائفية بسبب اليهود فأرسل المعتمد ابن زيدون لتهدئتها بما له من منزلة في قلوب الإشبيليين، لكن الشاعر الذي كان قد هرم وشاخ وأنهكه المرض لا يكاد يصل إلى إشبيلية حتى ألحت عليه الحمى ومات فيها سنة أربعمائة وثلاث وستين من الهجرة. هذه الحياة العاصفة المتقبلة، وهذه الأحاديث الجسيمة المتتالية، صقلت وجدان ابن زيدون وألهبت قدرته الشعرية، وانعكست في شعره تفننا في الشكوى والحنين والتأمل والنظر في مصائر الأيام وتقلب الزمان. لكن أبعدها غورا في نفسه هو حبه لولادة بنت المستكفي، التي كانت تُقرّبه حينًا ثم تقرب غريمه ومنافسه ابن عبدوس حينًا آخر. ومن أجل ولادة كتب ابن زيدون نونيته الرائعة أشهر قصائده على الإطلاق والتي عارضها أحمد شوقي وهو يعاني بدوره مرارة النفي والاغتراب في إسبانيا بنونيته التي مطلعها: يا نائح الطلح أشباه عوادينا ** نأسى لواديك أن نشجي لوادينا والتي جعلت الكثيرين من المولعين بالمقارنات يتوقفون عند القصيدتين، تأملا وتحليلا وتقييما ومقارنة، كما توقفوا عند السينيتين : سينية البحتري وسينية شوقي للسبب نفسه. يتميز شعر ابن زيدون بالعذوبة وتوفر النغم الموسيقي والسهولة، كما يتميز بالانسياب والاسترسال والتدفق في طواعية ويُسْر، ودون جهد أو تعب، وشعره في الغزل يتميز بالنعومة والبراعة في التصوير، تصوير خلجات النفس ومكنون أسرارها، ولوعة المحب الصادق في معاناته ومكابدته، كما يتميز بمزجه الغزل بوصف الطبيعة، مما أعطى لقصائده في الحب إطارها الطبيعي المشرق، وجعلها شبيهة باللوحات المصورة، الناطقة بالفن الرفيع والشعور الحي المرهف، والوجد المتقد. يقول الدارسون لحياة ابن زيدون وشعره، إنه كتب نونيته تلك وهو هارب من السجن بعد أن يئس من إقناع ابن جمهور بإطلاق سراحه، وأصبح بعيدًا عن مركز الوزارة المرموق، فوجد نفسه بعيدا عن ولادة أيضًا. ولقد عادت إليه حريته بالهرب من السجن، ولكنه ما يزال يعاني غربتين أو معضلتين، الوزارة التي يصبو إليها، والتي يعتبر عودته إليها تصحيحا لمسار حياته وتكريما لذاته، وولادة التي بذل لها نفسه وعصارة قلبه وخلاصة شعره والتي يخشى أن يفقدها إلى الأبد. إن الشاعر العاشق يستعطف محبوبته وضالته ويُذكرها بأيامها الماضية، لعلها ترقُّ وتلين، فيعود ثانية ما كان بينهما من ريق الوصال، وأنس الوداد. يقول ابن زيدون مخاطبًا ولادة. أضحى التنائي بديلاً عن تدانينا ** وناب عن طيب لقيانا تجافينا ألا، وقد حان صبح البين، صبحنا ** حينٌ، فقام بنا للحين ناعينا من مبلغ الملبسينا بانتزاحهمو ** حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا أن الزمان الذي ما زال يضحكنا ** أنسا بقربهمو قد عاد يبكينا غيظ العدا من تساقينا الهوى، فدَعوا * *بأن نغَصَّ فقال الدهر آمينا فانحلَّ ما كان معقودًا بأنفسنا * *وأنبت ما كان موصولاً بأيدينا وقد نكون وما يخشى تفرقنا ** فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا ويقول مرة أخرى : يا ليت شعري، ولم نعتب أعاديكم ** هل نال حظًّا من العتبى أعادينا لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم ** رأيا، ولم نتقلد غيره دينا ما حقنا أن تقروا عين ذي حسد ** بنا، ولا أن تسروا كاشحا فينا كنا نرى اليأس تسلينا عوارضه ** وقد يئسنا فما لليأس يغرينا ويقول مرة ثالثة : بنتم وبنا، فما ابتلت جوانحنا ** شوقا إليكم ولا جفت مآفينا نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ** يقضي علينا الأسى لولا تأسينا حالت لفقدكمو أيامنا فغدت ** سودًا، وكانت بكم بيضًا ليالينا إذ جانب العيش طلق من تآلفنا ** ومورد اللهو صاف من تصافينا وإذ هصرنا فنون الوصل دانية ** قطافها، فجنينا منه ما شينا ليسق عهدكمو، عهد السرور، فما ** كنتم لأرواحنا إلا رياحينا لا تحسبو نأيكم عنّا يغيرنا ** إن طالما غيَّر النأي المحبينا والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً ** منكم، ولا انصرفت عنكم أمانينا ولا استفدنا خليلا عنكم يشغلنا ** ولا اتخذنا بديلا منكم يسلينا ويقول أيضا : يا ساري البرق غاد القصر واسق به ** من كان صرف الهوى والود يسقينا وأسألك هناك هل عني تذكرنا ** إلفا تذكره أمسى يغنينا ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا ** من لو على البعد حيا كان يحيينا فهل أرى الدهر يقضينا مساعفة ** منه، وإن لم يكن غبًّا تقاضينا ويقول : إذا انفردت وما شوركت في صفة ** فحسبنا الوصف إيضاحا وتبيينا يا جنة الخلد أبدلنا بسدرتها ** والكوثر العذب زقوما وغسلينا كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ** والسعد قد غض من أجفان واشينا إن كان قد عز في الدنيا اللقاء بكم ** في موقف الحشر نلقاكم ويكفينا سران في خاطر الظلماء يكثمنا ** حتى يكاد لسان الصبح يفشينا لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت ** عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا لم ترد أخبار كثير عن قصة هذا الحب مع أنه قد عرف بها وشاع ما كان بينهما. لكن لا بأس فقد كانت فرصة تعرفتم فيها على شخصية أدبية قلما تنجب الأمهات مثلها. |
|
{[ سبحانـ الله وبحمدهـ عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ]} 10
|
||||
|
||||
|
أبو نواس وجنان
أبو نواس، الشاعر المعروف الذى عاصر الخليفة المهدي ثم الرشيد ثم الأمين، مات قبل أن يدخل الخليفة المأمون بغداد. قرأنا عنه وله كثيرا من الشعر ، ولكن آخر ما يتوقعه المرء أن يتأكد حب أبى نواس لجارية من بنات عصره، كانت تدعى جنان . قال أغلب الذين كتبوا عن أبي نواس إن حبه لجنان كان صادقا، وكان حقيقة لم ينكرها أبو نواس ولا أنكرها أحد ممن عاصروه سوى قلة منهم شكوا في جديته . فما هي حكاية أبي نواس وجنان والحب من أول نظرة . كان أبو نواس شاعرا فذا أجمع شعراء عصره على تميزه حتى أن الشاعر أبا العتاهية وسط أحد أصدقائه يطلب منه ألا يقول الشعر في الزهد حتى لا يتفوق عليه . وقد اشتهر أبو نواس بالمجون والزندقة، ولم يكن يخفي ذلك أو ينكره بل كان يجاهر بشذوذه، ويحكي عن مغامراته. ويقول أبو الفرج الأصفهاني أن أهل أبي نواس حاولوا أن يزوجوه حتى ينصلح حاله فأبى عليهم ولكنهم ظلوا يلحون حتى أذعن أخيرا فزوجوه جارية جميلة من أهل بيته، لكنه أعرض عنها، وطلقها. وعلى الرغم من ذلك ذكرت الأخبار أنه كان يعجب ببعض الجواري وأنه عشق جارية وطلبها من صديقه ذات مرة، وأصر على أن يهديها له، وأخيرًا حدث للحسن بن هانئ، ما لم يكن يتوقعه هو ولا أصدقاؤه . لقد وقع في الحب، الحب من أول نظرة كما يحدث لشاب غرير في بداية الصبا وليس لديه أية تجارب في الحياة . ويقول لنا صاحب الأغانى : إن أبا نواس لم يصدق في حب امرأة غيرها . وكان أول كلفه بها أنها مرت، وهو جالس مع فتيان من أهلها يتنزهون وينشدهم، فأبرزت عن وجه بارع الجمال، فجعل ينظر إليها، وأنشأ يقول : إني صرفت الهوى إلى قمر ** لم تبتذله العيون بالنظر إذا تأملته تعاظمك إلا ** قرار في أنه من البشر ثم يعود الإنكار معرفة ** منك إذا قسته إلى الصور وشغف بها حبا وهام بها، وقال فيها أشعار كثيرة وشكا وجده بحبها وهو لا يعرفها، وسأل عنها فلم يقع على خبر منها بعد اليوم الذي رآها فيه. : وتناقل أهل البصرة شكايته من حبها وشعره فيها، وأكثروا ذكره في كل محفل وجمع . فمن هي تلك المرأة التي فعلت ذلك بأبي نواس شاعر الخمرة. تلك كنت جنان جارية آل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي المحدث ويصفها أبو الفرج قائلا : " كانت جنان حلوة، جميلة المنظر، بديعة الحسن، أديبة عاقلة ظريفة، تعرف الأخبار وتروي الأشعار، وكانت مقدودة حسنة القوام " . تلك إذن صفات المرأة التي لابد وأن تخلب لب الرجل مهما كان فاسقا أو منحرفا. ويستوقفنا وصف الأصفهاني لجنان بأنها كانت أديبة تعرف الأخبار وتروي الأشعار ، أي أنها لم تكن مجرد وجه مليح وقوام معتدل، بل كانت ذات ثقافة وموهبة. ولم تكن امرأة مثل أغلب جواري ذلك الزمان، بل كانت تفضل صحبة النساء على الرجال، وكانت حريصة على أداء فرائض دينها . وقد بلغ أبا نواس يوما أن معشوقته جنان قد عزمت على الحج. فقال : أما والله ما يفوتني الحج والمسير معها عامي هذا، إن أقامت على عزيمتها، فظُن مازحا، ولكنه لم يكن يمزح بدليل أنه سبقها إلى الخروج .ههههههههه سبحان الله مغير الأحوال. جنان إذن كانت قادرة على أن تُقوِّم اعوجاج الشاعر الكبير، وأن تعيده إلى الصراط المستقيم فقد ذهب فعلا إلى الحج، وأحرم، ويقول الذين شاهدوه بالحج، أنه جعل ينشد الشعر، ويطرب في صوته بالليل حتى فتن به كل من سمعه. يقول : إلهنا ما أعدلك ** مليك كل من ملك لبيك قد لبيت لك ** لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك ** ما خاب عبد ساءلك أنت له حيث سلك ** لولاك يا رب هلك ولكن الناس لم تصدق أن أبا نواس يمكن أن يتوب عن آثامه الكثيرة بسبب حبه لامرأة. أما جنان نفسها فلم تكترث بحب أبي نواس لها وافتتانه بها، ولم تتحرك في قلبها أية عاطفة تجاهه، على الرغم من كل تلك الأشعار التي كان أبو نواس يعبر فيها عن حبه العميق لها، وكانت جنان تسخر من أبي نواس، حتى أنها خرجت ذات يوم هي وصاحبة لها حتى التقيا بأبي نواس، فلما رآها كاد أن يذهب عقله وتحير وراح يدبر ويقبل، أي أنه تصرف كتلميذ مراهق التقى مصادفة بمن يحب، وراحت صاحبة جنان تمازحه وتقول له : اجعلنى رسولاً إليها، فلعل الله أن يمن علي وعليك ، فلما بلغ ذلك جنان غضبت من صاحبتها ، وقالت لها : مثل هذا الكلب تطمعينه في ! وكان أبو نواس يعلم أن جنان تحتقره وتسبه فقد تقرب من الثقفيين الذين كانت تنتمي إليهم وأصبح يزورها ويتحين الفرص ليبعث إليها بالرسائل التي تفيض حبا ووجدا، فكانت تسبه أمام من يرسلهم إليها، وتقول إنه كذاب. يقول : وما صدقت ولا رد عليها ** ولكن الملول هو النكوث ولي قلب يناز عنى إليها ** وشوق بين أضلاعى حثيث رأت كلفي بها ودوام عهدي ** فملتني كذا كان الحديث شكته جنان يوما إلى مولاها، وشتمته فذكر له ذلك . فقال : من سبني من ثقيف فإنني لن أسبه. فكان ذلك مما عطفها ورقق قلبها، وكان أول الأسباب إلى وصلها . ويبدو أن أبا نواس كان يتخيل كل ذلك وأن جنانا قد رضيت عنه وقبلت أن تلتقي به، وأن قلبها لان له وأصبحت تحبه، ويتخيل أنه كان يغضب منها ويهجرها ويقول أنها أرسلت إليه رسولا لتصالحه، فرده ولم يصالحها، ثم رآها في النوم تطلب صلحه، ويقول عن ذلك : دست له طيفها كيما تصالحه ** في النوم حين تأبى الصلح يقظانا فلم يجد عند طيفي طيفها فرجا ** ولا رثى لتشكيه ولا لانا حسبت أن خيالي لا يكون كما ** أكون من أجله غضبانا فكيف يستقيم هذا الادعاء مع ما ذكره هو عدة مرات من أنها كانت تشتمه كلما تحدث أحد عنه، وكانت تلقبه بالكلب والكذاب والكثير من الألقاب السيئة، وتشكوه لمولاها وهو نفسه يقول ذلك. فما كلامه السابق إلا حلما من احلام اليقظة يقول أبو نواس : وبأبي من إذا ذكرت له ** وطول وجدي به تنقصني لو سألوه عن وجه حجته ** في سبه لي لقال يعشقني نعم إلى الحشر والتناد نعم ** أعشقه أو ألف في كفني لا أنثني ويك عن محبته ** ما دام روحي مصاحبا بدني أصيح جهرا لا أستسر به ** عنفني فيه من يعنفنى يا معشر الناس فاسمعوه وعوا ** أن جنانا صديقة الحسن وكانت نتيجة هذا الكلام أن أهل جنان حجبوا جاريتهم عن أبي نواس، وأرسلوها إلى دار لهم في بلدة أخرى تدعى حكمان لكي ينساها، فكان يقصد الجبل بالبصرة فيسأل كل من أقبل من تلك الناحية وينشد : اسـأل القادمين من حكمان ** كيف خلفتما أبا عثمان وأبا مية المهذب والما ** مول والمرتجى لريب الزمان فيقولان لي جنان كما سر ** ك في حالها فسل عن جنان مالهم لا يبارك الله فيهم ** كيف لم يغن عندهم كتمانى صرت كالسئن يشرب الماء فيما ** قال كسرى بعلة الريحان أو كما قيل قبل إياك أعني ** واسمعوا يا معاشر الجيران فهو يتظاهر بالسؤال عن رجال آل ثقيف ولكن الكل يعلم أنه لا يعنيه إلا جنان، وقد بلغ ذلك الخبر مولاة جنان فبعثت إليه وقال له : إن أردت وهبتها لك . ولكن جنان مانعت في الزواج منه، واشترطت عليه ألا يعود إلى شذوذه، ولم يستطع هو أن يعدها بذلك . وكانت نهايتهما التي لا نعلم منها إلا هذه. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
![]() |
![]() |